الشيخ عبد الغني النابلسي

100

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

ونحوها وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [ الحديد : 7 ] يعني عنه تعالى ، لأنه تعالى أخبر أن الملك له يوم القيامة فقال عز من قائل : وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [ الانفطار : 19 ] ، وقال تعالى : الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ [ الفرقان : 26 ] وقال : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( 4 ) [ الفاتحة : 4 ] . وقال بعد زوال نسبة الأعمال والأملاك عن جميع بني آدم يوم القيامة بسبب موتهم الذي هو عزلهم من استخلافه لهم فيما استخلفهم فيه إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ ( 40 ) [ مريم : 40 ] ولا مناقضة بين هذا وبين قوله تعالى : أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [ الأنبياء : 105 ] ، لأن العباد الصالحين ما وضعوا بالعبودية وبالصلاح إلا لرجوعهم إلى اللّه تعالى من حيث وجود ذواتهم ، وجميع أعمالهم في الباطن والظاهر ، فكان اللّه تعالى ظاهرا بهم عندهم ، وهم ظاهرون به تعالى عند غيرهم ، وقد ورد أن : « الناس يحشرون على نياتهم » « 1 » فهم عند غيرهم غير اللّه تعالى ، وهم عند أنفسهم ظهور اللّه تعالى ، فإذا ورثوا الأرض يوم القيامة ، فإنما اللّه تعالى هو الذي ورثها ، وزاد اللّه تعالى عليهم بأن ورث على الأرض أيضا ، وهم لم يرثوا إلا الأرض فقط ، لأنهم للّه تعالى من حيث ظهوره لهم ، لا من حيث ظهوره له تعالى ، فإن ظهوره له تعالى في جميع حضراته وظهوره لكل واحد منهم إنما هو في حضرة من حضراته دائما ، وإن تقلبوا في جميع أطوار حضراته تعالى على الأبد لا يسعون إلا حضرة بعد حضرة من تلك الحضرات . ( فأنشأ ) الحق تعالى ( صورته ) ، أي صورة الإنسان الكامل الذي هو خليفة اللّه تعالى على جميع العالم ( الظاهرة ) وهي حقيقة جسمه ونفسه التابعة للجسم ، وصورته المرسومة في هذا الوجود ( من حقائق العالم ) كله ، فجسمه من جسم العالم ، ونفسه من نفوس العالم ( و ) من ( صوره ) ، أي صور العالم كله ، فصورته صورة العالم كله سماواته وأرضه وأفلاكه وأملاكه إلى غير ذلك ( وأنشأ ) الحق تعالى أيضا ( صورته الباطنة ) ، وهي حقيقة روحه وعقله التابع للروح ، ومعلوماته المرسومة في وجوده ( على ) طبق ( صورته ) ، أي صورة الحق تعالى التي هي مجموع صفاته تعالى وأسمائه وأفعاله وأحكامه كما تقدم ، فروحه من صفاته وأسمائه تعالى وعقله من أفعاله تعالى ومعلوماته المرسومة فيه من أحكامه تعالى ( ولذلك ) ، أي لكون صورته الباطنة على صورة الحق تعالى ( قال ) تعالى في الحديث القدسي الوارد عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ( فيه ) ، أي في هذا الإنسان الكامل : « لا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته

--> ( 1 ) يشير إلى قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « يبعث كل عبد على ما مات عليه ، المؤمن على إيمانه والمنافق على نفاقه » رواه ابن حبان في صحيحه ، برقم ( 7313 ) [ 16 / 304 ] .